logo

‘ بين دهاليز الدهاء وتجميل المصطلحات...القراءة الواقعية للعلاقات الدولية ‘ - بقلم : بشار مرشد

10-02-2026 16:17:40 اخر تحديث: 11-02-2026 05:35:40

مقدمة : ما وراء المصطلح في أروقة الجامعات والمحافل الدبلوماسية، تُقدَّم العلاقات الدولية بوصفها إطارًا للتعاون وتنظيم المصالح وتحقيق السلم العالمي كتجميلا للغابة، غير أن هذا التعريف، في التطبيق العملي، لا يتجاوز كونه غلافًا لغويًا ناعمًا

بشار مرشد - صورة شخصية

يخفي خلفه دهاليز معقدة من المناورة والضغط وإدارة الصراع. فالعالم لا يُدار بالمواثيق وحدها، بل بموازين قوى متحركة لا تعترف بالصداقات الدائمة، وإنما بالمصالح القابلة لإعادة التعريف مع كل تحوّل في السياق الدولي.

وهم التعاطف وتحول الأخلاق إلى أداة

ثمة فجوة عميقة بين ما تشعر به الشعوب وما تقرره الدول. فبينما تُحرّك القضايا الإنسانية الرأي العام، تتحرك الدولة ككيان عقلاني بارد، محكوم بحسابات البقاء: الاقتصاد، الأمن، الصحة، والبنية التحتية. في هذا السياق، لا يُعد التعاطف الشعبي أكثر من ضجيج خلفي، ما لم يتقاطع مباشرة مع مصلحة النظام الحاكم أو كلفة تجاهله.

أما الأخلاق في العلاقات الدولية، فهي ليست مرجعية ثابتة، بل مفاهيم مرنة يعاد تشكيلها وفق الحاجة،

 فالمصطلحات الأخلاقية لا تُلغى، بل يُعاد تعريفها. فمفهوم الإرهاب مثلًا ليس توصيفًا قانونيًا محايدا بقدر ما هو أداة سياسية؛ الفعل ذاته قد يُدان أو يُبرَّر تبعا لموقع الفاعل من شبكة المصالح الدولية. هنا تتحول الأخلاق من معيار حاكم إلى لغة تبرير، تُستخدم لتعبئة الرأي العام، أو شرعنة التدخل، أو نزع الشرعية عن الخصوم.

الدول الحامية.. بين الوظيفة والمناورة

عند تفحّص الخارطة الجيوسياسية، تبرز نماذج مثل أوكرانيا وإسرائيل وتايوان، وكوريا الجنوبية بوصفها كيانات تؤدي أدوارا وظيفية ضمن صراعات القوى الكبرى. هذه الدول، رغم سيادتها الشكلية، تمثل خطوط تماس متقدمة أو مصدّات استراتيجية تُدار من خلالها معارك النفوذ غير المباشر.

غير أن اختزال هذه الدول في كونها بيادق صمّاء يُغفل جانبًا مهمًا من الواقع فبعض هذه الكيانات يمتلك هامش مناورة، ويجيد استخدام موقعه لابتزاز الحليف الأكبر أو إعادة تحسين شروط التموضع داخل الاصطفاف،والمناورة هنا لا تعني الاستقلال التام، بل تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر داخل بنية غير متكافئة.

الخاتمة..عقلانية النجاة في غابة المصالح

الفهم الحقيقي للعلاقات الدولية لا يقوم على تصديق المصطلحات التجميلية، ولا على إنكارها بالكامل، بل على إدراك وظيفتها. نحن نعيش في نظام دولي أقرب إلى الغابة، لكن النجاة فيه لا تكون بالقوة وحدها، بل بالقراءة الدقيقة للدهاليز، وبممارسة المناورة العقلانية، وبفهم متى تُستخدم الأخلاق كسلاح، ومتى تُستبعد كعبء.

نجاح الدول لا يُقاس بمدى أخلاقية خطابها، بل بقدرتها على إدارة تناقضاتها، وقراءة موازين القوة، وتغيير تموضعها دون أوهام.
في هذا العالم، من يظن أن الأخلاق تحكم السياسة يُفترس، ومن يظن أن القوة وحدها تكفي يُستنزف، أما من يفهم قواعد الغابة ولغتها معًا، فهو وحده من يملك فرصة النجاة.


لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا