المربي سعيد بكارنة - صورة شخصيةوقد جاءت هذه المعجزة في وقتٍ عصيبٍ من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تثبيتًا لقلبه، وتكريمًا له، ورسالةً خالدةً تحمل في طياتها دروسًا إيمانية عظيمة للمسلمين في كل زمان ومكان.
هذه المعجزة العظيمة التي سطرها الله سبحانه وتعالى بآيات تتلى إلى يوم الدين، قال تعالى " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" (الإسراء آية 1)
ويُقصد بالإسراء: الرحلة التي أكرم الله بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف. أما المعراج فهو ما أعقب ذلك من العروج بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى طبقات السماوات العلى ثم الوصول به إلى حد انقطعت به علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجن، إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى عند جنة المأوى ودنا من ربه مقاماً لم يبلغه أحد من الأنبياء كل ذلك حدث في ليلة واحدة.
وقد كانت حادثة الإسراء والمعراج - والتي حدثت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة - معجزة ربانية وحادثة غير مسبوقة ولا متكررة ولا وقعت لأحد قبله ولا تقع لأحد غير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكرم الله بها نبيه تسرية له بعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان يوفر له الحماية من كفار قريش ووفاة زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي كانت تؤيده بالدعم المعنوي له والتي هي أول من دخل في الإسلام. وحدثت هذه المعجزة العظيمة بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف وما لاقاه من أذى أهلها بعد أن دعاهم إلى الإسلام، فكانت حادثة الإسراء والمعراج تكريما له وتجديدا لعزيمته وثباته، وكأن الله تعالى يقول له: يا محمد إذا كان أهل الأرض يعذبونك ولا يستقبلونك، فإن أبواب السموات ومن فيها يستقبلونك ويرحبون بك!
وفي هذه المعجزة يتجلى إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فها هم كفار مكة وأكابر مجرميها يكفرون بهذه المعجزة ويكذّبون النبي م عليه الصلاة والسلام، فذهبوا إلى أبي بكر الصديق فقالوا: "هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس!" فقال أبو بكر: "أوقال ذلك؟ -أي: هل قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - قالوا: نعم، قال: لقد صدق".
ويطلب منه كفار قريش أن يصف لهم المسجد الأقصى لأنهم يعلمون أنه لم يرحل مع أهل بلده إلى هناك فحدّثهم صلى الله عليه وسلم حتى قال قائلهم: أمّا النعتُ فقد والله أصاب. وفي هذا يقول الشاعر:
يا صاحب المعراج فوق المنتهـى لك وحدك المعراج والإسـراءُ
يا واصف الأقصى أتيت بوصفـه وكـأنـك الرسَّـام والبنــاءُ
أُعطيت فضلا لا يُتاح لمرســلٍ والله يعطي الفضل كيف يشـاءُ
وفي بيت المقدس صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إماما بالأنبياء جميعا، والعلّة من تقديم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى على أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم، وهذا فيه إشارة إلى تولي الأمة الإسلامية أمر قيادة البشرية.
ومن دلالات هذه الحادثة العظيمة، التأكيد على قدسية المسجد الأقصى المبارك، وربطه بالمسجد الحرام، فهو قبلة المسلمين الأولى، وثاني مسجد بني في الأرض بعد المسجد الحرام، والمكان الذي صلى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام إماما بجميع الأنبياء.
